محمد محمد أبو ليلة
134
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
ويرى الكاتب أن الآيات ( 1 : 20 ) من سورة النجم ، والتي قبل إن فقرة الغرانيق تخللتها ، والآيات الأخيرة من هذه السورة ، لا تمثل وحدة واحدة كما تصور القصة ، ثم إن آية السجدة التي يقال إنه صلى اللّه عليه وسلم سجد عندها ، وسجد معه المسلمون والمشركون ، متباعدة في الذكر ؛ ولا تبعد أن تكون نزلت في المدينة وليس في مكة . وفي هذه القرينة نشير إلى المستشرق " كيتى " حيث يرفض حكاية الغرانيق لضعف إسنادها . أما برتون ، فيرى أنها من تلفيقات الفقهاء ، كما أشرنا إليه من قبل ؛ ولكي يتضح خطأ المستشرقين بجلاء نذكر ما أورده المفسرون في سبب نزول الآية ؛ قالوا إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان في رمضان في السنة الخامسة لنزول الوحي ، لما رأى إعراض قومه عنه ، وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به ، تمنى في نفسه أن يأتيهم من اللّه ما يقارب بينه وبين قومه ، وذلك لحرصه صلى اللّه عليه وسلم على إيمانهم ؛ فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش ، كثير أهله ، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من اللّه شئ ينفرهم منه ، وتمنى ذلك فأنزل اللّه تعالى سورة النجم ، حتى بلغ قوله : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) ألقى الشيطان على لسانه " تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى " ؛ فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قراءته ، فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين ، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة ، وأبى أحيحة سعيد بن العاص ؛ إذ أخذ كل منهما حفنة من التراب من البطحاء ، ورفعاها إلى جبهتيهما ، وسجدا عليها ، وذلك لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود . وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر ، فلما أمسى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال له : " ما ذا صنعت ، تلوت على الناس ما لم آتك به عن اللّه ، وقلت ما لم أقل " ، فحزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حزنا شديدا ، وخاف من اللّه خوفا عظيما ، حتى نزل قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) ( الحج : 52 ) .